مرض السكري: الجزء الثاني

إن فهمنا لجسم الإنسان يبدأ من إدراك أن كل خلية من تريليونات الخلايا التي تتكون منها أجسادنا تعيش في بيئة سائلة دقيقة، وهذه البيئة تتكون أساسا من نوعين من السوائل الحيوية، الدم والسائل اللمفاوي، وهذان السائلان يمران بجانب كل خلية، عبر كل عضو، عبر كل جهاز في الجسم، من الرئة إلى العين، من البروستاتا إلى القلب، من المخ إلى الأعصاب، من الرحم إلى الكبد، من الكلية إلى الطحال والبنكرياس، فلا توجد خلية واحدة في جسم الإنسان إلا وهي مغمورة في هذه السوائل التي تشكل الوسط الحيوي الذي تتنفس فيه وتتغذى منه وتطرح فضلاتها.
والدم في هذه الرؤية الشاملة يشبه المطبخ الذي ينقل الغذاء النقي والأكسجين الضروري للحياة إلى كل خلية، فهو يحمل الكيمياء القلوية أو القاعدية التي تمثل مواد البناء والطاقة، بينما يعمل السائل اللمفاوي كنظام الصرف الصحي الدقيق الذي يستقبل جميع النفايات الخلوية والمواد الحمضية الناتجة عن عمليات الأيض، ويقوم بنقلها بعيدا عن الخلايا لتصفيتها وإخراجها من الجسم، ولتقريب الصورة أكثر، يمكن تشبيه الخلايا بسكان مدينة لا يستطيعون التحرك من منازلهم لإيصال نفاياتهم إلى مكان التجميع المخصص، ولذلك كان من المنطقي والحكيم أن يخلق الخالق سبحانه وتعالى آلية متقنة تمر بجانب كل خلية، تمكنها من طرح فضلاتها بسهولة ويسر، وهذه الآلية العجيبة هي الجهاز اللمفاوي الذي يمثل شبكة الصرف الصحي الحيوية للجسم البشري.

من الملاحظات العلمية المهمة في هذا السياق أن حوالي خمسة وسبعين بالمائة من السوائل التي تحيط بخلايا الجسم هي السائل اللمفاوي، بينما يشكل الدم نسبة خمسة وعشرين بالمائة فقط، مما يدل على الأهمية القصوى للجهاز اللمفاوي في الحفاظ على نقاء البيئة الداخلية، حيث يعمل هذا الجهاز الحيوي على تنظيف النفايات الخلوية والمواد الكيميائية الحمضية التي تنتج عن عمليات الاحتراق الداخلي في الميتوكوندريا، بينما يركز الدم على نقل الكيمياء القلوية المغذية والأوكسجين إلى الخلايا، وعندما نفهم هذه الديناميكية السائلة، ندرك أن مرض السكري من النوع الثاني ليس مجرد خلل في البنكرياس أو نقص في إنتاج الإنسولين، بل هو نتيجة تراكمية لمشاكل متعددة في عملية استقلاب السكر، وخلل في وظائف الغدد الصماء المتعددة، وخاصة الغدة الكظرية التي تلعب دورا مهما في تنظيم مستوى الجلوكوز في الدم من خلال هرمون الكورتيزول وغيره من الهرمونات المضادة للإنسولين، ومن الجدير بالذكر أن الكثير من البشر يعانون من ضعف بدرجات متفاوتة في وظيفة الغدة الكظرية، وهذا الضعف هو نتيجة للتوتر المزمن، لسوء التغذية، أو التعرض للسموم البيئية، أو الاختلالات الهرمونية التي تؤثر على محور الغدة النخامية والكظرية المعروف بمحور الإجهاد.

وأخيرا، السكري حقيقة هو عرض وليس بمرض، هو إشارة على تسمم بيئي داخلي واختلال هرموني، وليس مجرد مشكلة في سكر الدم.

Redouane Lafhel
Naturopath & Medical Herbalist

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *