يُشكّل التدخين اعتداء على بنية الجسم ووظائفه، حيث يبدأ الضرر من اللحظة الأولى لاستنشاق الدخان المحمّل بأكثر من 700 مركب كيميائي، فمثلا عندما يدخل أول أكسيد الكربون إلى الرئتين، يرتبط بالهيموجلوبين في الدم بدلا من الأكسجين، مما يقلل من كمية الأكسجين التي تصل إلى الأنسجة والخلايا، وهذا النقص الأكسجيني المزمن يُجبر القلب على العمل بجهد أكبر لضخ الدم، مما يرفع ضغط الدم ويُسرع معدل ضربات القلب، ومع مرور الوقت يتراكم القطران والمواد السامة على الشعيرات التنفسية في القصبات الهوائية، فتفقد هذه الشعيرات قدرتها على تنظيف الممرات الهوائية من الشوائب، مما يؤدي إلى تراكم المخاط والإصابة بالسعال المزمن والتهاب الشعب الهوائية، وفي الرئتين تُهاجم الجذور الحرة الناتجة عن الاحتراق أنسجة الحويصلات الهوائية، فتفقد مرونتها وتتدمر تدريجيا، وهي حالة مرضية تُعرف بانتفاخ الرئة، مما يجعل عملية الزفير صعبة ويُسبب ضيق التنفس حتى أثناء الراحة، ولا يتوقف الضرر عند هذا الحد بل تمتد السموم عبر مجرى الدم إلى كل عضو، فالكبد يُثقل بمهمة تصفية النيكوتين والقطران، مما يُقلل من قدرته على معالجة السموم الأخرى، والكلى تواجه عبئا إضافيا في التخلص من المعادن الثقيلة مثل الكادميوم والرصاص…. والتي تدخل الجسم عبر الدخان، مما يزيد خطر الفشل الكلوي على المدى المتوسط والطويل.
يُنظر للتدخين كعامل يُخل بتوازن الأخلاط والعناصر المكونة للطبع الإنساني، فمثلا الشخص ذو المزاج الدموي الذي يتميز بالدفىء والرطوبة، عندما يدخن بشكل منتظم، تتعرض رطوبة دمه للجفاف بسبب الحرارة اليابسة للدخان، فيتحول مزاجه تدريجيا نحو المزاج الصفراوي، مما يظهر في صورة عصبية زائدة، وقلة صبر، وجفاف في البشرة والعيون، واضطرابات في الهضم مثل الإمساك والانتفاخ،…….. أما الشخص البلغمي الذي يميل إلى البرودة والرطوبة، فيزداد عنده تراكم البلغم في الصدر بسبب تهيج الأغشية المخاطية بالدخان، فيعاني من السعال المنتج للبلغم صباحا، والشعور بالثقل والخمول، ومع استمرار التدخين، يختل توازن العناصر الأربعة في جسمه، فتزيد النار الداخلية المتمثلة في الالتهابات المزمنة، وتقل جودة الهواء المتمثل في كفاءة التنفس، وتتعكر مياه الجسم المتمثلة في السوائل اللمفاوية والدموية، وتضعف البيئة الداخلية المتمثلة في بنية الأنسجة والعظام، ولتصحيح هذا الخلل يجب العودة إلى النظام الغذائي المتوازن الذي يعيد الرطوبة والدفىء المعتدل للجسم، مثل تناول الحساء الدافئ بالخضروات الجذرية، وشرب شاي الزنجبيل والعسل لتدفئة الجهاز الهضمي دون جفاف، وممارسة تمارين التنفس العميق لاستعادة نقاء عنصر الهواء الداخلي.
وفيما يتعلق بالجانب الغذائي والأيضي، يُعد المدخن أكثر عُرضة لنقص عناصر حيوية تؤثر مباشرة على طاقته ووظائفه العقلية، فمثلاً فيتامين C الذي يُعد مضادا قويا للأكسدة، يستهلكه الجسم بكميات أكبر لمقاومة الضرر التأكسدي الناتج عن التدخين، لذا يحتاج المدخن إلى ضعف الكمية التي يحتاجها غير المدخن، وعندما لا يتم تعويض هذا النقص، تضعف المناعة وتصبح اللثة أكثر عرضة للنزيف والالتهاب، ويتأخر التئام الجروح، وكذلك فيتامين E الذي يحمي أغشية الخلايا من التلف، فانخفاضه يُسرع من ظهور علامات الشيخوخة على البشرة، ويُضعف صحة الأوعية الدموية، أما أحماض الأوميغا 3 الدهنية، فهي ضرورية لوظائف الدماغ والمزاج، ونقصها لدى المدخنين يفسر زيادة معدلات القلق والاكتئاب بينهم، ولتحسين الوضع الغذائي يمكن البدء بإضافة مصادر طبيعية لهذه العناصر، مثل تناول حفنة من اللوز النيء، بذور نوار الشمس، بذور القرع، زيت الزيتون، الأفوكادو،……يوميا الذي يحتوي على فيتامين E والمغنيسيوم المهدئ للأعصاب، شرب عصير البرتقال والكيوي، البقدونس……. الطازج لتعزيز فيتامين C، شرب كميات كافية من الماء، العصائر الورقية الخضراء الطازجة، الفواكه، الخظار……..لمساعدة الكلى على طرد السموم، الأعساب الداعمة والمطهرة للرئة….. تناول الأطعمة المخمرة والكفير لدعم البكتيريا النافعة في الأمعاء التي يُضعفها الدخان.
أما بالنسبة للتدخين الإلكتروني، ورغم الدعاية التي تحيط به كبديل آمن، إلا أن الحقائق العلمية تكشف عن مخاطر خفية تستحق التمعن، فمثلاً عندما يسخن ملف التسخين في جهاز الفيب السائل الإلكتروني، تتحول مواد مثل البروبيلين غليكول والجليسرين النباتي إلى جزيئات دقيقة جدا يمكنها التوغل عميقا في الحويصلات الهوائية، وفي درجات الحرارة المرتفعة، تتحلل هذه المواد كيميائيا مُنتجة مركبات مثل الفورمالدهيد والأسيتالدهيد، وهي نفس المواد المسرطنة الموجودة في دخان السجائر التقليدية، وقد أظهرت دراسات أن بعض نكهات الفيب تحتوي على مادة الدياسيتيل التي ارتبطت بمرض الرئة الفشارية، حيث تتندب الممرات الهوائية الدقيقة وتفقد قدرتها على التمدد، مما يسبب ضيق تنفس دائم، كما أن البطارية والملف المعدني في الجهاز يطلقان جزيئات دقيقة من المعادن الثقيلة مثل النيكل والكروم عند التسخين المتكرر، وهذه الجزيئات عند استنشاقها تترسب في أنسجة الرئة وتدخل مجرى الدم، ولتجنب هذه المخاطر، يجب الإمتناع تماما عن التدخين.
وفي سياق الدعم الأسري والمجتمعي، يعتبر خلق بيئة خالية من التدخين عاملا حاسما في نجاح عملية الإقلاع، فمثلا عندما يُقلع شخص عن التدخين بينما يستمر أفراد أسرته أو زملاؤه في التدخين حوله، تزداد احتمالية انتكاسته بسبب المحفزات البصرية والشمية والاجتماعية، لذا يُنصح بالاتفاق مع المحيطين على احترام قرار الإقلاع، وعدم التدخين في الأماكن المشتركة، كما يمكن الانضمام إلى مجموعات دعم محلية أو على مواقع التواصل الاجتماعي حيث يشارك الأشخاص تجاربهم وتحدياتهم، مما يُشعر الفرد بأنه ليس وحده في هذه الرحلة.
وأخيرا، فالإرشاد والتوعية الصحية المبكر في المدارس حول الآثار الجانبية الخطيرة للتدخين، ليس فقط على الرئتين بل على البشرة، والخصوبة، والمظهر العام، والمال،…….يُساعد في بناء مناعة فكرية ضد تجربة التدخين من الأساس.
Redouane Lafhel
Naturopath & Medical Herbalist
Leave a Reply