إن تغافل الناس في هذا العصر عن تناول الخضروات المخمرة وتحولها من غذاء يومي أساسي إلى ممارسة هامشية ونادرة، فهو نتيجة لتحولات عميقة ومتشابكة في نمط الحياة وفي النظم الغذائية والفكر الطبي الحديث، حيث بدأت القصة مع الثورة الصناعية التي غيّرت وجه الإنتاج الغذائي، فحلت المعامل والمصانع ومطاعم الديليفري محل الطبخ في المنزل، وأصبح الهدف هو الإنتاج الضخم، والتخزين طويل الأمد، والنقل لمسافات بعيدة، وهنا برزت تقنيات مثل البسترة والتعليب والتجميد. والمواد الحافظة…..كحلول سحرية تحفظ الطعام من التلف، لكنها في المقابل قتلت البكتيريا النافعة والإنزيمات الحية التي كانت سر صحة الأجداد، فاستبدل الإنسان الطعام الحي المخمر طبيعيا بطعام ميت معقم ومعالج كيميائيا، ظنا منا أن التعقيم يعني الصحة، بينما في الحقيقة يُفرغ الطعام من روحه الحيوية وقدرته على تجديد الميكروبيوم المعوي.
ضهور الأمراض وبكترة أصبح ظاهرة عامة، من الحساسية والربو لدى الأطفال، إلى أمراض المناعة الذاتية والسرطانات لدى الكبار……..، هي في جوهرها قصة انفصال الإنسان عن الطبيعة وعن حكمة التخمير التي كانت تحميه لقرون، فحينما نأكل طعاما حيا مخمرا، نحن لا نأكل مجرد خضروات، بل نتناول جيشا من الحلفاء المجهريين الذين يدافعون عن البيئة الداخلية لأجسادنا، يُجددون خلايانا، يُوازنون هرموناتنا، يُهدئون أعصابنا، ويُعيدون الانسجام بين عناصر طبعنا، لذا فإن استعادة عادة التخمير ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي ضرورة حيوية للبقاء بصحة جيدة في عالم مليء بالملوتات الكيميائية والبيئية والنفسية. هذه الخطوة تعتبر ثورة بسيطة يمكن لكل إنسان أن يبدأها من مطبخه، ليعيد بناء تربة جسده وعافيته.
Redouane Lafhel
Naturopath & Medical Herbalist
Leave a Reply