مثلث الخطر الغذائي المكون من الدقيق الأبيض المكرر والسكر المصنع والزيوت المهدرجة…، وهي المكونات الأساسية التي تغزو بيوتنا، كعكتنا، وبسكويتنا..وبيتزاتنا…وخبزنا….. ووجباتنا الخفيفة المعالجة، يُنظر إلى هذه التركيبة على أنها السم الأبطأ فتكا الذي يحول البيئة الداخلية للجسم من بيئة خصبة نابضة بالحياة إلى صحراء جافة ملوثة بالعوامل السامة. إن تشبيه الفرار من هذه الأطعمة بالفرار من الأسد المفترس ليس مبالغة إطلاقا، بل هو تعبير دقيق عن القدرة الهائلة لهذه المواد على إشعال حرائق الالتهاب الداخلي وتوليد جيوش من الجذور الحرة التي تهاجم الخلايا السليمة وتدمر بنيتها مع مرور الوقت، خاصة عندما يتحول الاستهلاك العرضي إلى عادة يومية مستمرة لسنوات طويلة، للأسف هذا هو الحال في معظم موائدنا طوال السنة.

المرض لا يبدأ بغزو جرثومة، أو فيروس….، بل يبدأ بفساد البيئة الداخلية التي تسمح لهذا الغزو الداخلي بالنمو والانتشار ( الفيروسات أو الأكزوزومات يصنعها الجسم كردة فعل لبيئة داخلية سامة ومهترئة. الفيروسات لا تُعدي). فالدقيق الأبيض والسكر يعملان كوقود سريع الاشتعال يرفع مستويات السكر في الدم بشكل صاروخي، مما يجبر البنكرياس، وهو أحد أهم غدد الجهاز الهرموني، على ضخ كميات هائلة من الأنسولين لمحاولة ضبط هذا الاختلال، ومع تكرار هذا المشهد يوميا تفقد الخلايا حساسيتها للأنسولين، ويبدأ البنكرياس في الإجهاد والتعب، ممهدا الطريق للإصابة بمرض السكري ومتلازمة التمثيل الغذائي. هذا الفيض من السكر والأحماض الناتجة عن استقلابه يلوث مجرى الدم، فيتحول الدم من نهر يفيض بالحياة، ينقل الأكسجين والغذاء إلى كل خلية، إلى مستنقع حمضي لزج يعيق الدورة الدموية ويخنق الأنسجة، وهنا يتدخل الجهاز اللمفاوي، ذلك النظام الحيوي المسؤول عن تصريف النفايات والسموم من بين الخلايا، ليجد نفسه مثقلا بأحمال تفوق طاقته بسبب كثافة الفضلات الحمضية والدهون المتحولة، مما يؤدي إلى ركود اللمف وتراكم السموم في الأنسجة، في الأعضاء…، وهو ما يخلق بيئة مثالية للالتهابات المزمنة والأمراض المستعصية.

لا تتوقف الكارثة عند حد الدم واللمف، بل تمتد لتشمل الكلى التي تعتبر محطات التنقية الرئيسية في الجسم، فهي تُجبرها على العمل بلا كلل لتصفية هذا الدم الملوث بالأحماض والمواد الكيميائية المضافة، ومع مرور الوقت تستنفد الكلى مخزونها من المعادن الحيوية مثل المغنيسيوم والكالسيوم…. ولمحاولة معادلة هذه الأحماض، مما يؤدي إلى إضعاف العظام وإجهاد الكلى نفسها، وقد ينتهي الأمر بفشل كلوي أو تكوين حصوات مؤلمة. وفي الوقت نفسه، يتأثر الجهاز العصبي تأثرا بالغا بهذا الخلل، فالجسم يحتاج إلى الفيتامينات والمعادن لاستقلاب السكريات والكربوهيدرات المكررة، وعندما لا تتوفر هذه الفيتامينات في الطعام المصنع ( الدقيق الأبيض، المعجنات، سباغيتي، الزيوت النباتية، خبز المخبزات، الحلويات، المسمن، الحرشة، بسبوسة…..)، يسحب الجسم احتياطه منها من أنسجته وأعصابه…، مما يؤدي إلى استنزاف الطاقة العصبية وظهور أعراض القلق والاكتئاب والضباب الذهني….، وهو ما يجعل التغذية ترتبط ارتباطا وثيقا بالصحة النفسية، حيث يؤكد العلم الحديث أن الالتهاب المزمن الناتج عن الغذاء السيء هو أحد الأسباب الجذرية لكثير من أمراض المزاج والذاكرة.

أما الجهاز الهرموني بكل غدده الدقيقة والمعقدة، فيقع ضحية لهذا التسمم الغذائي الشامل، فالغدة الدرقية التي تنظم سرعة عمليات الأيض في الجسم تتباطأ وظائفها في بيئة داخلية ملوثة ومحملة بالسموم، والغدة الكظرية المسؤولة عن إدارة التوتر تُجبر على الإفراز المستمر لهرمونات التوتر لمقاومة الالتهاب الداخلي، مما يؤدي إلى إرهاقها بالكامل وفقدان الجسم لقدرته على التعامل مع الضغوط اليومية، وحتى الغدة الزعترية التي تعد مدرسة تدريب الخلايا المناعية تتقلص وتفقد فعاليتها في ظل نقص التغذية ووفرة السموم، ولا تسلم الغدد التناسلية من هذا الضرر، فالاختلالات الهرمونية الناتجة عن الدهون والزيوت المهدرجة، والسكر والدقيق… الطعام السيء… تؤثر سلبا على الخصوبة لدى الرجال والنساء على حد سواء، وتزيد من خطر الإصابة بأمراض بطانة الرحم والبروستاتا. كما أن صحة الرئتين تتأثر بنوعية الدم ودرجة حموضته، فالدم الغير قادر على حمل الأوكسجين بكفاءة يجبر الرئتين على بذل جهد أكبر، بينما ترتبط صحة المعدة والأمعاء ارتباطا مصيريا بهذه الحلقة، فغياب الألياف في الدقيق الأبيض يقتل البكتيريا النافعة في الأمعاء ويدمر التوازن الدقيق للميكروبيوت المعوي، مما يضعف إنتاج أحماض المعدة الضرورية للهضم ويسمح بتسرب جزيئات الطعام غير المهضومة والسموم إلى مجرى الدم، في حالة خطيرة تعرف باسم متلازمة الأمعاء المتسربة، والتي تعتبر بوابة لكثير من أمراض المناعة الذاتية والحساسيات الغذائية.

يمكن فهم هذا الدمار الشامل من خلال اختلال توازن العناصر الأربعة الأساسية المكونة للطبع البشري، وهي الماء والنار والهواء والتراب، فالإفراط في السكريات والدهون المهدرجة يثير النار الداخلية بشكل مٓرٓضي ومسبب للالتهاب والحرق، بينما يجفف الدقيق المكرر رطوبة الماء الضروري لحركة السوائل الحيوية ومرونة الأنسجة، وتثقل الدهون الضارة والمواد الصناعية عنصر التراب في الجسم فتجعله ثقيلا خاملا مليئا بالركود والبلغم الفاسد، ويفسد سوء الهضم تراكم الغازات أو الرياح الحيوية، مما يؤدي إلى انتفاخات واضطرابات في تدفق الطاقة، وبذلك يتحول مزاج الإنسان وطبعه نحو السخونة والجفاف والكآبة، وتفقد أخلاطه نقائها وسيولتها لتتحول إلى مواد غليظة وسامة تسد القنوات الدقيقة في الجسم وتعطل وظائفه الحيوية.

الحل لا يكمن في تعقيد العلاج بمواد كيميائية جديدة، بل في العودة إلى البساطة والفطرة، فالسخرية من تعقيد الصناعة الغذائية مقابل بساطة الطبيعة هي دعوة صريحة لاستعادة التوازن المفقود، وذلك من خلال استبدال هذه السموم بأغذية الأرض النقية كالخضروات الملونة والفواكه الطازجة، والسلطات الخضراء، والحبوب الكاملة الأصلية والغير مهجنة والخالية من المبيدات الزراعية السامة، والدهون الصحية مثل زيت الزيتون والسمسم …..والمكسرات النيئة، فهذه الأطعمة تعمل كأدوية طبيعية تعيد قلوية الدم، وتنشط الجهاز اللمفاوي، وتدعم الكلى والكبد في عملية إزالة السموم، وتغذي البكتيريا النافعة في الأمعاء، وتهدئ نار الالتهاب، وتعيد للغدد الصماء قدرتها على التنظيم الدقيق، كما أن استخدام الأعشاب الطبية ذات الخصائص المضادة للالتهاب والموازنة للأمزجة يساعد في إصلاح ما أفسدته السنوات من غذاء خاطئ، فالجسد أمانة إلهية، وليس مختبرا لتجربة الكيماويات والمظافات الغذائية
والأغدية المصنعة، والمحشوة بالمبيدات الزراعية…. ، وأن الصحة الحقيقية تنبت فقط في بيئة جسدية نظيفة مغذاة بعناصر الطبيعة التي تحفظ اعتدال الطباع وتعيد للأخلاط سيرتها الأولى من الانسجام والتوازن، مما يسمح للجهاز المناعي بأداء دوره الطبيعي في الحماية والشفاء دون عوائق، ويعيد للإنسان حيويته وصفاء ذهنه واستقرار مشاعره.

Redouane Lafhel
Naturopath & Medical Herbalist

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *