تُعدّ فترة ما بعد الولادة مرحلة حاسمة من التحوّل الجسدي والنفسي، لا تقتصر فقط على التعافي من آلام الولادة، بل تمتد لتشمل إعادة بناء التوازن الداخلي للجسم ككل.
يكتسب دعم الأم بالأعشاب والتغذية السليمة أهمية قصوى، ليس فقط لتعزيز شفائها، بل أيضا لضمان جودة حليبها الذي يشكّل أول بيئة غذائية وحيوية للرضيع، مقارنة بأي تركيبة صناعية، والتي تفتقر إلى التعقيد الحيوي الذي يوفره حليب الأم.
صحة الأم بعد الولادة لا تعتمد فقط على غياب المرض، بل على قوة ونقاء البيئة الداخلية لجسمها، أي البيئة الفسيولوجية التي تتكوّن من سوائل الجسم، الدم، الجهاز اللمفاوي، الأنسجة…… فحليب الأم هو انعكاس مباشر لهذه البيئة، فإذا كانت أنظمتها تعمل بانسجام، وتتناول طعاما طبيعيا وصحيا، ونفسيتها مرتاحة، كان حليبها غنيا بالعناصر الغذائية، والمضادات الحيوية الطبيعية، والعوامل المناعية التي تحمي الطفل.
فيما يخص التركيبات الصناعية، رغم تطوّرها فهي ثابتة ومصنعة، ولا تستجيب للتغيرات اليومية لإحتياجات الطفل أو حالته الصحية، كما أنها تفتقر إلى البكتيريا النافعة التي تشكّل جزءا أساسيا من الفلورا المعوية التي ينقلها حليب الأم، والتي تعدّ حجر الأساس لبناء جهاز مناعة الطفل.
من بين أبرز المخاوف المتعلقة بسلامة الحليب الصناعي وجود معادن ثقيلة و سامة مثل الرصاص، الزرنيخ، الكادميوم، والزئبق….، والتي تم رصدها في العديد من أنواعه. ويُعدّ الرصاص من أخطر هذه العناصر، إذ حتى بأدنى مستويات التعرّض له يمكن أن يخلّ بالتطور العصبي لدى الرُّضّع، مما يؤدي إلى ضعف ملحوظ في القدرات الإدراكية والسلوكية. أما الزرنيخ، الذي يظهر غالبا في المنتجات المصنوعة من الأرز(المكوّن الشائع في بعض تركيبات الحليب البديل)، فهو مادة سامة معروفة ترتبط بعدد من المشكلات الصحية، بما في ذلك اضطرابات الجهاز الهضمي، وضعف المناعة، بل وقد تصل مخاطره إلى الإصابة بالسرطان. ناهيك عن فول الصويا المعدل وراثيا والذي يدخل في تركيبة حليب الرضع، إضافة إلى وجود آتار للمبيدات الزراعية السامة ( الغليفوسات……)
فإن دخول هذه السموم إلى جسم الرضيع يُشكّل خطرا بالغا، نظرا لأن أعضاءه النامية لا تزال غير قادرة على إزالة السموم بكفاءة. ويعتبر هذا الأمر انتهاكا صارخا لمبدأ (الدعم الذاتي للجسم)، والذي يركّز عليه هذا التوجه العلاجي، والذي يدعو إلى تعزيز قدرة الجسم الطبيعية على الحماية والشفاء دون تعريضه لعوامل سامة قد تعيق نموه الصحي و السليم. لهذا يجب التأكد من مصدر ومكونات حليب الرضع قبل شرائه، ويجب أن يكون خاليا من كل المواد السامة والمضرة.
التوازن الداخلي للأم المرضعة يرتبط ارتباطا وثيقا بوظائف الأجهزة الرئيسية. فالجهاز العصبي عندما يكون في حالة إجهاد شديد بسبب الحرمان من النوم والتغيرات الهرمونية، يؤثر مباشرة على الغدد الصماء. فالغدة النخامية التي تنظّم إفراز هرمون البرولاكتين المسؤول عن إنتاج الحليب، والأوكسيتوسين المسؤول عن عملية الرضاعة الطبيعية، يقوي الارتباط العاطفي بين الأم وطفلها، أي خلل في هذا النظام نتيجة للقلق أو الإرهاق، يمكن أن يقلل من إدرار الحليب. أما الغدة الدرقية فلها دور مهم في تنظيم الطاقة والمزاج، فنقص اليود أو الزنك (عنصران حيويان في فترة ما بعد الولادة) ، يمكن أن يؤدي إلى خمول درقي، مما يفاقم الشعور بالإرهاق والاكتئاب.
في فترة ما بعد الولادة، يكون الجسم في حالة التهاب طبيعيٍ، حيت يصبح تصريف السوائل اللمفاوية أمرا بالغ الأهمية للشفاء ومنع الاحتقان. لذلك يفضل ممارسة المشي الخفيف لتقوية هذا النظام، التدليك اللمفاوي مفيد في هذه الحالة. أما الكلى التي تعمل على تصفية الدم من السموم والفضلات، فتحتاج إلى ترطيب مستمر بالماء والعصائر الطبيعية، العصائر الخضراء، عصائر الخضار والفواكه، السلطات الخضراء، المكملات ، المورينغا ، سبيرولينا، طحالب البحر ، العسل الطبيعي ، دبس التمر، دبس الخروب، السمك، …..حساء الخظار….الخظار المخمرة،. مرق العظام…حساء الشعير البلدي الغير مهاجم ( تلبينة مع بذور القزبرة، النافع، حبة حلاوة، بدور القزبرة، الكمون البلدي، الحبة السوداء، … الحلبة…).لدعم عملية التطهير هذه، وهو ما ينعكس إيجابا على جودة الحليب.
أما الجهاز الهضمي فيلعب دورا مركزيا لا يمكن تجاهله. فصحة الأمعاء، المعدة وحمضها ضروريان لهضم وإمتصاص العناصر الغذائيةالحديد، الكالسيوم….بينما يعدّ الميكروبيوت المعوي (البكتيريا النافعة في الأمعاء) بمثابة مخ صغير، حيث تنتج العديد من الناقلات العصبية التي تؤثر على المزاج، وتتحكم في الالتهابات. أما الأعشاب مثل النافع والبابونج، الحلبة…… لا تساعد فقط في زيادة إدرار الحليب، بل تعمل أيضا على تهدئة الجهاز الهضمي للأم والطفل معا، مما يخفف من المغص والانتفاخ. فالتوتر النفسي لدى الأم يمكن أن يغيّر تركيبة الفلورا المعوية، مما يضعف المناعة ويؤثر سلبا على الحالة المزاجية، ويؤتر على إدرار الحليب. وهنا تأتي أهمية الأعشاب المهدئة مثل الينسون، الكروية، البابونج…….ويتناغم مع طبيعة جسم كل أم.
أما نبات الحريقة أو القراص الغني بالحديد يدعم الدم والكلى، ويساعد في تعويض فقدان الدم أثناء الولادة. وورق التوت الأحمر البري يعمل كمنشّط رحمي لطيف، ويدعم صحة الغدد التناسلية. بينما يُستخدم الكركم كمضاد طبيعي للالتهاب، مدعّما صحة الدم والجهاز اللمفاوي. ومن المهم تجنّب بعض الأعشاب مثل السالمية أو الميرمية التي تثبّط إدرار الحليب، أو نبات الشيبة أو الأفستين الذي قد ينتقل إلى الحليب ويؤثر على الطفل….
وأخيرا،فصحة الأنظمة الحيوية للأم المرضعة، يعزز من قدرتها على التعافي، ويضمن أن يكون حليبها أفضل مصدر غذائي وعلاجي لطفلها، متفوقا بشكل كبير على أي حليب الأطفال الصناعي من حيث العمق الحيوي والتفاعل مع احتياجات الرضيع المتغيرة.
فالرضاعة تعتمد على توازن دقيق بين هرموني البرولاكتين والأوكسيتوسين. أي خلل هرموني متل حالات تكيس المبايض أو اضطرابات الغدة الدرقية أو السكري…يمكن أن يعطل هذا التوازن. بل إن بقاء أجزاء من المشيمة بعد الولادة قد يعيق بدء إدرار الحليب بسبب استمرار إفراز هرمون البروجسترون. فالجسم يعمل كوحدةٍ متكاملة، لذا فإن صحة الكبد (المسؤول عن استقلاب الهرمونات)، والكلى (التي تحافظ على توازن السوائل) تلعب دورا محوريا في دعم الرضاعة. كما أن الجهاز اللمفاوي والدورة الدموية ضروريان لتوصيل المغذيات إلى الغدد الثديية ومنع الاحتقان.
ملاحظة: في حالة وجود مشاكل صحية، الأفضل إستشارة طبيب في الطب الشمولي، لتحديد البروتوكول العلاجي المناسب.
Redouane Lafhel
Naturopath & Medical Herbalist
Leave a Reply